في إطار الجدل المتواصل حول الدور المصري في الحرب الإيرانية، قالت منصة "ذا بانديت"- المتخصصة في التحليلات السياسية والاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط- إنه بينما يواجه دور مصر في الأزمات الإقليمية انتقادات على منصات التواصل الاجتماعي، والذي غالبًا ما يوصف بأنه "تهميش ذاتي" أو "تراجع استراتيجي"، تصوّر الرواية الرسمية دور مصر على أنه " توازن استراتيجي".
وأضافت: "من هذا المنظور، يُنظر إلى التوجه الحالي للسياسة الخارجية المصرية على أنه نتاج قيود هيكلية طويلة الأمد: التدهور الاقتصادي منذ بداية الألفية، والاعتماد الكبير على الولايات المتحدة، وتراجع الاستقلالية الخارجية، وتآكل الثقة في العمل الجماعي العربي، والقبول الضمني للديناميات الإقليمية المزعزعة للاستقرار، بما في ذلك التوسع الإقليمي الإسرائيلي".
علاوة على ذلك، أشارت إلى أن الضغوط الأمنية المتزامنة على طول حدود مصر، إلى جانب قدراتها المحدودة دفعت الدولة نحو سياسة خارجية حذرة تُعطي الأولوية للمشاركة الانتقائية، وتتجنب التدخل في الأزمات الإقليمية مثل ليبيا والسودان وإثيوبيا وسوريا.
تقيد استخدام أدوات السياسة الخارجية
هذا االمسار يعزوه أصحاب هذا الرأي إلى تصورات النخبة التي تقيد استخدام أدوات السياسة الخارجية، وتضعف القدرة على بناء التحالفات، وتعزز الاعتماد على الولايات المتحدة، الأمر الذي، كما يقولون، يقوّض سمعة مصر الإقليمية في نظر حلفائها والرأي العام الأوسع.
ومع أن هذه التفسيرات لها وزن تحليلي، إلا أن التقرير وصفها بأنها غالبًا ما تعكس تحيزًا فكريًا أو معياريًا. وعلى وجه الخصوص، تُظهر هذه الآراء تحيزًا تأكيديًا- ميل معرفي يتم بموجبه تفسير المعلومات بطرق تعزز المعتقدات المسبقة أو التوقعات المعيارية، بينما يتم تجاهل الأدلة المتناقضة.
وقال إنه على الرغم من التسليم الواسع بأن دور مصر الخارجي واجه تحديات كبيرة خلال العقود الثلاثة الماضية، إلا أن معظم التحليلات تُبالغ في التركيز على المتغيرات النظامية. فغالبًا ما تتجاهل تحليلات السياسة الخارجية لسلوك مصر الخارجي ديناميكيات داخلية حاسمة، مثل عمليات صنع القرار، وتصورات القيادة، واعتبارات أمن النظام.
وأوضح أن مصالح مصر ليست ثابتة أو مادية بحتة؛ بل تنبع من كيفية تفسير النخب الحاكمة لدورها، واستجابتها للتوقعات الاجتماعية، وتقييمها لكيفية نظر الجماهير الإقليمية والدولية إلى مصر . وهذا يؤكد أن سلوك السياسة الخارجية لا يسترشد فقط بالقدرات والقيود المادية (كما يؤكد الواقعيون)، بل أيضًا بالتوقعات القائمة على الهوية والسعي إلى الاعتراف والمكانة والشرعية ضمن نظام دولي ذي بنية اجتماعية.
مرتكزات السياسة الخارجية والأمنية لمصر
تقليديًا، أبان التقرير أن السياسة الخارجية والأمنية لمصر تركز على حماية وحدة أراضيها والازدهار الاقتصادي من التهديدات الخارجية، وتعزيز القيم التي يقوم عليها مجتمعها. كما تحرص على الحفاظ على مجتمع دولي قائم على احترام سيادة القانون.
وقال: "سواء وُصفت استراتيجية السياسة الخارجية المصرية بأنها دفاعية، أو متحفظة، أو سرية، أو حتى انعزالية، فإنها في نهاية المطاف تعكس التسلسل الهرمي للمصالح الذي بناه النظام داخليًا. وبحسب معاييره الخاصة، يبدو أن النظام قد حقق جزءًا كبيرًا من أهدافه الأساسية".
وفي هذا الإطار، يمكن تحديد خمسة مصالح استراتيجية أساسية تُشكّل ملامح السياسة الخارجية المصرية، وهي:
(1) تعزيز أمن النظام
(2) الحفاظ على التماسك والسلامة الإقليمية
(3) تجنب حرب خارجية واسعة النطاق
(4) مكافحة الإرهاب والحفاظ على الاستقرار الداخلي
(5) تعزيز التنمية الاقتصادية والمرونة المؤسسية.
مصالح النظام
ويتطلب الأمر أيضًا تجاوز الافتراضات المعيارية، كضرورة التدخل في النزاعات الإقليمية، أو موازنة النفوذ الإسرائيلي، أو الانحياز بشكل حاسم إلى جهات فاعلة محددة.
إذ إنه وبحسب التقرير، قد لا تتوافق هذه التوقعات مع تقييم النظام لمصالحه وقدراته وخطوطه الحمراء. بل قد لا ينظر النظام المصري إلى هذه الأدوار كفرص لتعزيز مصالحه الأساسية؛ بل قد يراها مكلفة، أو محاصرة، أو حتى محفوفة بالمخاطر الاستراتيجية. ونتيجة لذلك، ومن منظور استراتيجي، يتجنب النظام الانخراط في نزاعات تتجاوز هذه الحدود.
وفقًا للتقرير، فإنه ينبغي الاعتراف بدور مصر، سواءً أكان ذلك في شكل مبادرات أو ردود أو تدابير مضادة، باعتباره نتاجًا مباشرًا لهذه التصورات التي تشكلت ذاتيًا من خلال مؤسسات صنع القرار، وتتشكل بفعل اعتبارين مترابطين: تأثير الديناميات الإقليمية على بقاء النظام، والمخاطر التي تهدد السيادة والاستقرار الوطنيين والمرتبطة بالمشاركة في تحالفات إقليمية متغيرة ومستقطبة.
وأوضح استنادًا للأدلة المتاحة أن النظام المصري يولي اهتمامًا بالغًا لهذه العوامل. فمنذ عام 2014، واجه مخاطر متعددة للوقوع في صراعات إقليمية. ومع ذلك، فإن سلوكه لا يعكس تراجعًا، بل التزامًا بمنهجية عملياتية متسقة نسبيًا؛ مجموعة منظمة من المعتقدات التي توجه الإدراك والحساب والاستراتيجية.
يُحدد هذا القانون العملياتي الخطوط الحمراء، وفي بعض الحالات، يسمح باستخدام محدود ومتناسب للقوة للدفاع عن المصالح الأساسية، كما هو الحال في ليبيا والسودان.
كما يُساعد في تفسير استراتيجيات التصعيد المُتدرّجة، مثل تصعيد الخطاب تجاه جهات فاعلة كإسرائيل أو إثيوبيا ردًا على التهديدات المُتصوّرة، بما في ذلك سيناريوهات التهجير القسري للفلسطينيين، أو المخاطر التي تُهدد أمن مياه النيل.
استراتيجية تجنب الحرب
لذا، لا ينبغي تفسير الاستراتيجية التي تركز على تجنب الحرب على أنها ضعف، كما يقول التقرير، "فما دامت المصالح الحيوية، كما يحددها النظام، محفوظة، بما في ذلك بقاء النظام، وسلامة أراضيه، واستقراره الداخلي، فإن ضبط النفس قد يمثل الخيار السياسي الأكثر عقلانية وفعالية من حيث التكلفة".
وفي المقابل، رأى أن الانخراط في نزاعات عسكرية للدفاع عن مصالح هامشية أو رمزية (مثل المكانة أو السمعة) قد يُشكل خطأً استراتيجيًا، لا سيما عندما تكون هذه المصالح قابلة للتفاوض. لذا، فإن إدراك قيود القدرات لا يدل بالضرورة على قصور؛ بل هو عامل حاسم في توجيه السياسة الخارجية ونطاقها وتخصيص الموارد واختيار الأدوات.
وفي ظل بيئة إقليمية شديدة التقلب وعدم اليقين، يرى التقرير أنه من الصعب فهم سلوك السياسة الخارجية دون إدراك الغموض والتعقيد اللذين يواجهان صناع القرار. ولا يمكن إغفال ثقل المسؤولية السياسية الملقاة على عاتق القادة المكلفين بحماية أرواح أكثر من مائة مليون مواطن، لا سيما وأن سوء التقدير لا يزال محركًا رئيسًا للصراعات بين الدول.
وفي ظل هذه الظروف، رأى أن النقاشات حول الدور الوطني أو النشاط في السياسة الخارجية قد تصبح ثانوية، إذ يصبح الحفاظ على الدولة نفسها هو الأولوية القصوى. وفي الوقت نفسه، لابد من الإقرار بأن دمج هذه الضغوط في استراتيجية متماسكة للأمن القومي لا يزال يمثل تحديًا حتى بالنسبة لأكثر الدول تقدمًا.
https://thepundit.org/2026/05/24/egypts-role-in-iran-war-is-not-an-enigma/

